محمد جمال الدين القاسمي

401

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لمقدر هو عبارة عن المذكور . أي : وليكون من الموقنين بالتوحيد ، فعلنا ما فعلنا من الإراءة والتبصير بآيات السماوات والأرض . لطائف : الأولى - قال الرازيّ : وههنا دقيقة عقلية ، وهي أن نور جلال اللّه تعالى لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح البشرية ، لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب ، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير اللّه تعالى . فإذا كان الأمر كذلك . فبقدر ما يزول ذلك الحجاب ، يحصل هذا التجلي . فقول إبراهيم عليه والسلام : أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير اللّه تعالى ، لأن كل ما سوى اللّه فهو حجاب عن اللّه تعالى ، فلما زال ذلك الحجاب ، لا جرم تجلّى له ملكوت السماوات بالتمام . فقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ معناه : وبعد زوال الاشتغال بغير اللّه حصل له نور تجلى جلال اللّه تعالى ، فكان قوله وَكَذلِكَ منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية . الثانية - قال الرازيّ : اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل . ولهذا المعنى لا يوصف علم اللّه تعالى بكونه يقينا ، لأن عمله غير مسبوق بالشبهة ، وغير مستفاد من الفكر والتأمل . واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل به ، فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه ، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت ، صارت سببا لحصول اليقين . وذلك لوجوه : الأول - أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة ، فلا تزال القوة تتزايد حتى تنتهي إلى الجزم . الثاني - أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة . فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد ، جار مجرى تكرار الدرس الواحد . فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب ، فكذا هاهنا . الثالث - أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدّا ، فإذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول ، امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب ، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة ، فإذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى ، فيصير الإشراق واللمعان أتم . وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر ، وهو الصبح ، فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح . ثم ، كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب